موت صامت في غزة: ضعف آليات الإجلاء يهدد حياة آلاف المرضى والجرحى
تدعو مبادرة لاهاي للقانون والعدالة إلى تحرك عاجل يهدف إلى حماية وإنقاذ حياة آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة، في ظل استمرار الظروف الكارثية التي تعيشها المستشفيات والمرافق الصحية المتبقية، إلى جانب ضعف وبطء إجراءات إجلائهم لتلقي العلاج خارج القطاع. وتؤكد مبادرة " لاهاي" أن القوات الإسرائيلية المحتلة خلقت واقعاً كارثياً وبيئةً غير إنسانية تتعمد فيها قتل مرضى وجرحى قطاع غزة دون أي رحمة، حيث دمرت المستشفيات الرئيسة وقتلت ونكلت بالعاملين الصحيين فيها. وبينما تسببت عمداً بترك المتبقي من المستشفيات بلا كوادر متخصصة ودواء ومستلزمات وأجهزة طبية، ما تزال تمنع وتعرقل عن سبق إصرار سفر وإجلاء آلاف المرضى للعلاج خارج القطاع في ظل جريمة الإبادة الجماعية بحق قطاع غزة التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
كما تدين مبادرة " لاهاي" بشدة إخضاع ملف علاج المرضى لاعتبارات المساومة في إطار سياسة العقاب الجماعي، المخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والتي تُعد جريمة حرب بموجب ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية. ونؤكد أن هذه الانتهاكات لا يمكن عزلها عن جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة بحق سكان قطاع غزة، إذ إن حرمان المرضى والجرحى من العلاج، وتقويض القدرة على تقديم الرعاية الطبية داخل القطاع، إلى جانب منعهم من السفر لتلقي العلاج في الخارج، لا يفضي إلا إلى نتيجة واحدة، تتمثل في تعريضهم لموت بطيء ومؤلم. كما أن عرقلة وصولهم إلى الخدمات الطبية المنقذة للحياة، وحرمانهم من الخضوع لعمليات نوعية ومتخصصة غير متوفرة في مستشفيات القطاع، يشكل ممارسة متعمدة لإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم.
وعلى الرغم من إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال سلطات الاحتلال تعتمد آليات سفر غير فعّالة، يدفع ثمنها عشرات المرضى نتيجة طول فترات الانتظار، بعد حرمان قاسٍ وممتد من العلاج الملائم داخل مستشفيات قطاع غزة المنهارة. حيث يقتصر عدد المرضى المسموح لهم بالسفر على أقل من 50 مريضًا يوميًا برفقة مرافقيهم، في حين تواصل سلطات الاحتلال رفض سفر أعداد كبيرة من المرضى، مع التلاعب بتصنيفات الحالات وفق معايير الأولوية والحاجة، بحيث يُسمح بسفر الحالات الأقل خطورة، مقابل منع أو المماطلة في إجلاء الحالات الحرجة.
تعاني المنظومة الصحية في قطاع غزة من نقص حاد في مواردها المادية والبشرية، حيث يعمل حاليًا 19 مستشفى فقط من أصل 35، وبإمكانيات محدودة، في ظل فقدان كبير للقدرة الاستيعابية، إذ تجاوزت نسبة الإشغال 439%، لا سيما في أقسام العناية المكثفة للبالغين والأطفال. كما تأثرت بشكل بالغ خدمات حيوية يتلقاها المرضى، خصوصًا في أقسام غسيل الكلى والعمليات الجراحية والطوارئ.وعلاوة على ذلك، تواجه المستشفيات نقصًا خطيرًا في الكوادر الطبية المتخصصة، وفي الإمدادات الطبية الأساسية، بما في ذلك المستلزمات الضرورية لمختبرات الدم وخدمات الإسعاف، وذلك في ظل شبه توقف لحركة النقل والمواصلات، وما يرافقه من صعوبات كبيرة تعيق وصول المرضى والجرحى إلى المستشفيات والمراكز الصحية.
تُصدر مبادرة لاهاي للقانون والعدالة هذا البيان لرفع الصوت عاليًا والدعوة إلى تحرك عاجل يهدف إلى وقف معاناة أكثر من 14 ألف مريض وجريح يعيشون واقعًا مأساويًا بانتظار الحصول على علاج مناسب وعاجل، وذلك من خلال الضغط على “دولة إسرائيل” التي تتنصل من التزاماتها بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، تسيطر على المعابر الحدودية لقطاع غزة وتتحكم بمصير نحو مليوني فلسطيني يُتركون لمواجهة الموت في ظل انهيار المستشفيات وغياب الخدمات الصحية المنقذة للحياة. كما تؤكد المبادرة أن عامل الوقت في إجلاء المرضى يُعد حاسمًا لإنقاذ حياتهم.
تدعو المبادرة المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، إلى تحمّل مسؤولياتهم الإنسانية، وممارسة الضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي من خلال إصدار قرار ملزم يضمن فتح ممرات آمنة للإخلاء الطبي بشكل فوري، وتمكين المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج دون أي قيود أو شروط.
كما تطالب المقرر الخاص المعني بالحق في الصحة بإدانة وتجريم استغلال ملف المرضى كورقة ضغط، وما يصاحبه من اعتماد آليات سفر بطيئة وغير فعّالة تُسهم في تعريض حياتهم للخطر بعد فترات انتظار طويلة ومؤلمة. وتدعو الدول الأطراف المتعاقدة على اتفاقيات جنيف إلى تكثيف الضغوط لوقف سياسة العقاب الجماعي بحق المرضى، والتي تنتهجها دولة الاحتلال، بما في ذلك فرض معايير تعسفية تخالف أحكام القانون الدولي الإنساني وتحرم آلاف المرضى من حقهم في التنقل وتلقي العلاج.
كما تجدد المبادرة دعوتها إلى المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، لبذل أقصى الجهود الممكنة للتخفيف من معاناة المرضى والجرحى في قطاع غزة، سواء من خلال دعم إعادة تأهيل وتطوير المنظومة الصحية، أو ضمان إجلاء المرضى بطرق آمنة لتلقي العلاج العاجل والضروري.
مبادرة لاهاي للقانون والعدالة
25 مارس 2026م.